accessibility

المواقع الأثرية

نافورة الأسد 
 200 قبل الميلاد 


تُعدّ نافورة الأسد إحدى أبرز المعالم الأثرية المميزة الواقعة على طول طريق الحجّ في وادي فرسة، وتمثل نموذجًا فريدًا يعكس براعة الأنباط في توظيف البيئة الطبيعية لصالحهم، وتحويل التضاريس الجبلية إلى معالم معمارية ذات قيمة فنية ووظيفية عالية، وتُعدّ هذه النافورة مثالًا رائعاً على قدرة الأنباط الفائقة في هندسة المياه، إذ قاموا بنحتها ببراعة في الصخر لتعمل كجزء من منظومة مائية متكاملة تهدف إلى تنظيم تدفق المياه وإيصالها إلى مختلف مرافق المدينة.
اعتمدت النافورة على مصدر مائي عالٍ يتمثل في قناة محفورة داخل الجبل، تُنقل عبرها المياه لتمرّ فوق فم الأسد المنحوت بإتقان‘كان الماء يتدفّق من القناة العليا إلى داخل فم الأسد، ثم ينساب عبر أنبوب أو ممر صخري ليخرج من فكي الأسد بشكل نافورة واضحة المعالم، قبل أن يصبّ في حوض مائي ضخم محفور في قاعدة الجبل، حيث يدل هذا التصميم على مستوى متقدم من الفهم الهيدروليكي لدى الأنباط، وقدرتهم على السيطرة على حركة المياه في بيئة قاحلة تعتمد فيها الحياة على حسن إدارة الموارد المائية.
وتشير الدلائل الأثرية إلى أن وجود مذبح صغير بجوار النافورة يعزّز الاحتمال بأنها كانت تؤدي وظيفة طقسية إلى جانب وظيفتها العملية، فمن المعتقد أن الموقع كان مخصصًا لشكر الآلهة على نعمة الماء، خاصة أن الأنباط كانوا ينظرون إلى الماء بوصفه موردًا مقدّسًا يرتبط بالحياة والخصب والاستقرار، ويبدو أن النافورة لم تكن مجرّد منشأة طبيعية أو مشهدًا جماليًا فحسب، بل كانت جزءًا من طقوس دينية واجتماعية متعلقة بالحجّ والعبادة، نظراً لمكانها على أحد أهم المسارات التي كان يسلكها زوار معابد البترا.
إن تصميم نافورة الأسد، مع ما تتضمنه من تفاصيل نحت دقيقة ونظام هندسي محكم، يعكس عمق المعرفة التي امتلكها الأنباط في مجالات العمارة، والهندسة المائية، واستغلال البيئة، ويجعل منها دليلًا حيًّا على حضارة استطاعت أن تبني مدينة مزدهرة، وما زالت النافورة اليوم تُعدّ شاهدًا ملموسًا على الإبداع النبطي، وعلى القدرة المذهلة لهذه الحضارة في المزج بين الجمال والفائدة، وبين الرمز الديني والوظيفة اليومية.
 

كيف تقيم محتوى الصفحة؟