السيق
يُعدّ السيق المدخل الرئيس لمدينة البترا الأثرية، وهو ممر طبيعي نادر التشكّل نحتته القوى الجيولوجية عبر ملايين السنين داخل صخور الحجر الرملي. يمتد السيق بطول يقارب 1.2 كيلومتر، ويُعتبر الممر الذي يقود الزائرين في رحلة مهيبة نحو قلب العاصمة النبطية القديمة.
ويتميّز هذا الممر بانحداره اللطيف ويتقدّم تدريجيًا بين جدران صخرية شاهقة ترتفع في بعض المواضع لأكثر من 80 مترًا، ما يضفي عليه رهبة وجمالًا في آنٍ واحد.

تشير الدراسات الجيولوجية إلى أن تكوّن السيق يعود إلى عملية انكسار طبيعي في طبقات الحجر الرملي أعقبه نحت عميق بفعل تدفّق مياه السيول عبر العصور، مما أدى إلى تشكّل هذا الشق العظيم الذي يشبه الوادي الضيق. وقد استغل الأنباط هذا التكوين الطبيعي الفريد وطوروه ليكون مدخلًا آمنًا ومحمياً لمدينتهم، كما شيدوا على جانبيه قنوات متقنة لنقل المياه تعتمد على الجاذبية، ولا تزال أجزاء كبيرة منها مرئية حتى يومنا هذا.
وكانت بوابة السيق في العصور النبطية أكثر من مجرد ممر؛ إذ وقف عند بدايته قوس نُصِبَ كمدخل احتفالي ضخم، لكنه انهار عام 1895 ولم يبقَ منه سوى بقايا أساساته. وعلى امتداد السيق تنتشر نقوش ومنحوتات نبطية متنوعة، أشهرها منحوتة “الإله ذو الشرى”، إضافة إلى عدد من المحاريب والأحواض المرتبطة بالطقوس الدينية والمائية للأنباط.
وتكشف الدراسات الأثرية أن السيق لم يكن مجرد ممر عبور، بل كان جزءًا من منظومة متكاملة للتحكم بالمياه. حيث عمل الأنباط على حفر قناة مغطاة في الجهة الشرقية، وأخرى مكشوفة في الجهة الغربية، لضمان تدفّق المياه نحو المدينة بطريقة منتظمة، إضافة إلى إنشاء حواجز طينية وصخرية للحد من مخاطر الفيضانات التي كانت تهدد الممر في مواسم الأمطار.
اليوم، يحتفظ السيق بأهميته بوصفه أحد أكثر معالم البترا إثارة وإعجابًا لدى الزوار، فهو يشكّل مدخلًا مسرحيًا مهيبًا ينتهي بأيقونة البترا الشهيرة: (واجهة الخزنة) وما يزال الباحثون يعتبرون السيق مثالًا بارزًا على التفاعل بين الطبيعة والإنسان، وعلى قدرة الأنباط الهندسية في استغلال التضاريس لخدمة وظائف دينية، ومعمارية، ودفاعية، وهيدرولوجية متقدمة بالنسبة لزمانهم.