accessibility

المواقع الأثرية

معبد قصر البنت 
25 قبل الميلاد إلى 25 ميلادي


يقف معبد قصر البنت شامخًا بوصفه أحد أهم المعالم الدينية في البترا، فهو أقدم المعابد الكبرى وأكثرها هيبة، كما يُعدّ البناء الوحيد تقريبًا الذي بقي قائمًا على أعمدته دون أن ينهار كليًا عبر القرون. ويرجّح الباحثون أن اسم المعبد مستمد من الأسطورة المحلية التي تروي أن فرعون قطع وعد أن يزوج ابنته من المهندس الذي يتمكن من إصالة الماء الى القصر، فارتبط المكان في الذاكرة الشعبية بقصة تحدٍّ وذكاء.
وتشير الدراسات الأثرية الحديثة إلى أنّ المعبد يعود إلى النصف الأول من القرن الأول الميلادي، وهي فترة تميّزت بازدهار العمارة النبطية وارتباطها الوثيق بالشعائر الدينية. وكان تصميم المعبد متقدمًا جدًا بالنسبة لزمنه، إذ بُني بارتفاع يقارب 23 مترًا، وبشكل مربع تقريبًا، ما يمنح واجهته حضورًا لافتًا. ويستند المعبد من الداخل على الأعمدة الكورنثية والأيونية التي تمثل تأثيرات معمارية قادمة من عالم البحر المتوسط، وخاصة التأثير الهلنستي.
ومما يميز هذا المعبد أنّه شُيّد باستخدام حجارة جيرية بيضاء جُلب أغلبها من مناطق بعيدة، إضافة إلى تقنية معمارية تُعرف باسم “التثبيت باللبنات الخشبية”، وهي تقنية ساعدت البناء على الصمود في وجه الزلازل. وتشير الأدلة الأثرية إلى أنّ المدخل الرئيسي للمعبد كان يتّصل بساحة واسعة مخصّصة للمتعبدين، يمكن الوصول إليها عبر درج ضخم يتكوّن من 26 درجة تقريبًا.
وكانت الواجهة الأمامية مزدانة بأربعة أعمدة كورنثية شاهقة، بينما وُضعت أعمدة إضافية عند الزوايا لزيادة تماسك البناء. أما الواجهات الجانبية فقد كانت مطلية بالجص الملوّن، مما يعطي المعبد طابعًا فخمًا يعكس المكانة الرفيعة للعبادة التي كانت تُقام فيه. وعلى الرغم من تآكل جزء كبير من هذه الزخارف، إلا أن بقاياها ما زالت تقدم فكرة واضحة عن جماليات المعمار النبطي.
ويقسم الهيكل الداخلي إلى ثلاث حجرات رئيسية. كانت الحجرة الوسطى تُعدّ الأهم، إذ تضم منصة لتمثال الإله ذو الشرى، الإله الأكبر في الديانة النبطية، والذي ارتبط بالحماية والخصوبة والسيادة. وتشير النقوش إلى وجود تماثيل صغيرة على جانبي المنصة تمثل آلهة أخرى كانت تُعدّ تابعة للإله الرئيسي، مما يكشف عن الطابع التعددي للدين النبطي.
أما استخدام المعبد، فيرجّح علماء الآثار أنه كان مخصّصًا لعبادات رسمية تقيمها النخب الدينية والسياسية، إضافة إلى إقامة طقوس موسمية مرتبطة بالخصب والمطر. وتشير بعض الدلائل إلى احتمال استخدامه أيضًا كمقصد للحجاج الذين كانوا يتوافدون من مناطق متعددة داخل المملكة النبطية.
ويمثّل معبد قصر البنت اليوم شاهدًا معماريًا فريدًا على عبقرية الأنباط في البناء والنحت وتنظيم الفضاءات الدينية. فهو يجمع بين الأصالة الشرقية والتأثيرات الهلنستية والرومانية، ويُعد من أهم الرموز التي تكشف عن العمق الحضاري لمدينة البتراء وثرائها الثقافي.
 

كيف تقيم محتوى الصفحة؟