accessibility

المواقع الأثرية

نفق ووادي المظلم


يُعد وادي المظلم أحد الأودية الطبيعية المهمة في مدينة البترا جنوب الأردن، وقد تشكّل عبر آلاف السنين بفعل عمليات النحت المائي الناتجة عن تدفّق السيول الموسمية من المرتفعات، حيث تكشف جدرانه الصخرية وطبقاته الرسوبية عن تاريخ جيولوجي يبرز دوره ضمن شبكة التصريف الطبيعي قبل استخدامه وتطويره من قِبل الإنسان. ومع تطوّر المدينة خلال العصر النبطي، أدرك الأنباط أهمية هذا الوادي في حماية السيق والمدخل الرئيس للبترا من خطر الفيضانات، فقاموا في الربع الثالث من القرن الأول قبل الميلاد بإنشاء نفق هندسي ضخم يبلغ طوله نحو 88 مترًا عند بداية الوادي، نُحت بالكامل داخل الصخر بهدف تحويل السيول الجارفة وإبعادها عن القناة الرئيسية التي كانت تغذّي المدينة بالمياه. ويُعد هذا النفق من أبرز الإنجازات الهندسية النبطية، إذ يعكس مستوى متقدمًا من المعرفة الهيدرولوجية وقدرة الأنباط على تطويع التضاريس الطبيعية لخدمة احتياجاتهم العمرانية.
 كما تظهر في منتصف الوادي آثار شبكة مائية نبطية تشمل قنوات حجرية وجدران تنظيمية صُمّمت لتوجيه تدفّق المياه وتقليل اندفاعها، وكانت أجزاء من مياه الوادي تتصل لاحقًا بوادي المطاحة لتغذية منظومة المياه التي تمدّ النافورة المركزية في قلب البترا. وفي نهاية الوادي يقع سدّ المعجن، وهو منشأة نبطية مهمة استخدمت لتنظيم المياه وحجزها خلال السيول الموسمية، وتحيط به نقوش ومحاريب صغيرة تشير إلى مكانته المائية والروحية. أمّا اليوم، فيبلغ طول مسار وادي المظلم الحديث نحو 9.3 كيلومترات، ويُعد من المسارات الصعبة نسبيًا لكنه يمنح الزائر فرصة لاستكشاف التشكيلات الجيولوجية الصحراوية والآثار المائية النبطية التي شكّلت جزءًا أساسيًا من ازدهار البترا.
 ويمثل الوادي بما يحويه من نفق وسدّ وقنوات مثالًا فريدًا على التفاعل بين الطبيعة والهندسة النبطية، وشاهدًا بارزًا على قدرة الإنسان القديم على توظيف البيئة لخدمة احتياجاته، مما يجعله اليوم مقصدًا مهمًا للباحثين والزوار ومحبي علوم الجيولوجيا والهيدرولوجيا ومسارات المشي الجبلية.
 

كيف تقيم محتوى الصفحة؟