accessibility

المواقع الأثرية

المجمّع الكنسي في البترا
 (375–600م)


يُعدّ المجمّع الكنسي في البترا من أبرز الشواهد الأثرية على ازدهار العمارة الدينية في الجنوب الأردني خلال العصرين البيزنطي والمبكر الإسلامي. ويضم هذا المجمّع ثلاث كنائس رئيسية هي: الكنيسة الرئيسة (كنيسة البترا)، والكنيسة الزرقاء، وكنيسة تلة جميعان. تمثّل هذه المنشآت الدينية مركزًا مهمًا للحياة الروحية والاجتماعية، وتعكس بوضوح مدى التطور الحضري والثقافي الذي شهدته مدينة البترا بعد انضمامها إلى الحكم الروماني ومن ثم البيزنطي.

الكنيسة الرئيسة (كنيسة البترا)
تُعدّ الكنيسة الرئيسة أهم عناصر المجمّع، وهي كنيسة على طراز البازيليكا الثلاثية، يبلغ طولها نحو 26 مترًا، وتضم ثلاث حنايا شرقية وثلاثة مداخل رئيسية. تكشف المخططات الأرضية المكتشفة أن الكنيسة كانت مزينة بأرضيات فسيفسائية عالية الجودة، اشتملت على رسوم نباتية وحيوانية متعددة، إلى جانب أشكال هندسية دقيقة. وتميّزت الفسيفساء باستخدام رموز مسيحية واضحة مثل الصليب، ورموز الفضائل المسيحية، إضافة إلى تصويرات تجسد جوانب من الحياة اليومية في ذلك العصر، مما يمنح الباحثين مادة غنية لدراسة الفن البيزنطي وطرقه التعبيرية في المنطقة.

الكنيسة الزرقاء
أما الكنيسة الزرقاء، أو ما يُعرف أحيانًا بـ “كنيسة المجلس"، فتتميّز بمجموعة فريدة من الأعمدة الرخامية المستوردة من البحر الأبيض المتوسط، والتي اكتسبت لونًا مائلًا إلى الأزرق، ومن هنا جاءت تسميتها. كما تضم بقايا محراب حجري ومقاعد مخصّصة للوعاظ، ما يشير إلى أنها كانت تُستخدم لطقوس دينية وتعليمية على حدّ سواء. وتوفّر هذه الكنيسة مثالًا مهمًا على تطوّر العمارة الكنسية في البترا نحو استخدام المواد الفاخرة وتقنيات البناء المتقدمة.

كنيسة تلة جميعان. 
تقع كنيسة تلة جميعان على ارتفاع واضح، ما يمنحها موقعًا استراتيجيًا يشرف على جزء واسع من المنطقة. تتألف من ثلاث حنايا وخمسة أعمدة على كل جانب، مما يدل على حجمها المتوسط مقارنةً بالكنيستين الأخريين. كما عُثر فيها على بقايا جدران تحمل آثار دهانات ملونة، تشير إلى وجود زخارف جدارية تعكس تأثيرات الفن البيزنطي المنتشر في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى.

البناء والاستعمال والتدمير
تشير الأدلة الأثرية إلى أن المجمّع الكنسي شُيّد خلال القرنين الرابع والخامس الميلاديين، في فترة ازدهر فيها انتشار الديانة المسيحية بعد الاعتراف الرسمي بها في الإمبراطورية الرومانية. وقد استُخدم هذا المجمّع كمركز ديني وإداري، حيث عُثر على برديات عديدة داخل الكنيسة الرئيسة، والتي تُعدّ من أهم الاكتشافات في البترا، إذ تكشف وثائق مهمة حول الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة.

تعرّض المجمّع للتدمير بفعل زلزال عام 551م، وهو أحد أعنف الزلازل التي ضربت المنطقة، مما أدى إلى انهيار أجزاء كبيرة من المباني، ومنها الأعمدة والواجهات. ومع ذلك، استمر السكان في استخدام بعض أجزاء المجمّع لفترة لاحقة، قبل أن يُهجر نهائيًا في القرن السابع الميلادي عقب التغيرات السياسية في المنطقة.

أهمية المجمّع المعمارية والعلمية
يشكّل المجمّع الكنسي في البترا مصدرًا مهمًا للباحثين في مجالات العمارة والفنون والآثار، إذ يعكس انتقال المدينة من مركز Nabataean إلى مدينة مسيحية بيزنطية مزدهرة. كما يقدّم مثالًا واضحًا على تكيّف سكان البترا مع الظروف الدينية والسياسية الجديدة، الأمر الذي يظهر من خلال الطراز المعماري، والمواد المستخدمة، وطبيعة الرسوم والزخارف التي تم العثور عليها.
 

كيف تقيم محتوى الصفحة؟