accessibility

المواقع الأثرية

مدفن عُنيشُو رقم 813

النصف الثاني من القرن الأول الميلادي

يُعدّ مدفن عُنيشُو أحد أبرز المدافن النبطية المنحوتة في واجهات جبال البترا، وقد سمّي باسم الوزير "عُنيشُو" الذي خدم في البلاط الملكي النبطي خلال عهد الملكة شَقيلة الثانية، زوجة الملك ملكيّو الثاني.

وقد جاء هذا الاسم استنادًا إلى نقش عُثر عليه في الموقع يعود إلى القرن التاسع عشر، كشف عن الدور المهم الذي لعبه الوزير عُنيشُو في إدارة شؤون المملكة وأملاكها.

تتكوّن واجهة المدفن من عناصر معمارية نبطية تتميز بالدقة والتناغم، حيث تظهر الأعمدة الملتصقة، والكرنيشات المزخرفة، والمساحات المستوية التي تعبر عن أسلوب نحتي متقن يتلاءم مع طبيعة الحجر الرملي المحلي. كما تتصدر الواجهة مجموعة من الزخارف والنقوش التي تحمل طابعًا جنائزيًا، ما يعكس المكانة الاجتماعية الرفيعة للشخص المدفون داخله.

تشير الدراسات إلى أنّ الوزير عُنيشُو كان من كبار موظفي الدولة النبطية، وقد كان مقرّبًا من الملكة شَقيلة الثانية، إذ ساعدها في إدارة شؤون الحكم بعد أن تولّت العرش عقب وفاة زوجها. واستمرت الملكة في الحكم لمدة ست سنوات تقريبًا، قبل أن ينتقل الملك لاحقًا إلى ابنها الملك رب أيل الثاني. وتبرز هذه المرحلة التاريخية كواحدة من أكثر الفترات التي لعب فيها الوزراء دورًا مركزيًا في إدارة الدولة، وهو ما يعزّز أهمية هذا المدفن بوصفه شاهدًا تاريخيًا على البنية السياسية والإدارية للمملكة النبطية.

ويتميّز مدفن عُنيشُو أيضًا بنظام معماري فريد؛ إذ يعتمد على مبدأ الانسجام بين الكتلة الصخرية والعناصر الزخرفية، ويحتوي على محراب داخلي ومنطقة مخصّصة للدفن، مما يعكس الطقوس الجنائزية التي كانت سائدة في تلك الفترة. وقد عُثر داخله على بقايا أثرية من بينها قطع خزفية متناثرة، وبقايا عظام بشرية، إضافة إلى بعض الشواهد الحجرية الصغيرة التي تحمل نقوشًا تتعلق بأسماء أو إشارات رمزية لأفراد العائلة المالكة أو المقربين منها.

ومن الملاحظ أن واجهة المدفن تعرضت عبر القرون لعوامل التعرية الطبيعية، إلا أنها ما تزال تحتفظ بجزء كبير من ملامحها الأصلية التي تظهر بوضوح مهارة النحاتين الأنباط في تشكيل الواجهات الصخرية وتحقيق التوازن بين الوظيفة المعمارية والجمالية. ويُعتقد أن التصميم العام للمدفن يشبه تصميمات أخرى مرتبطة بالشخصيات السياسية البارزة في البترا، ما يشير إلى أن هذا الطراز كان مرتبطًا بالدور الاجتماعي للمدفونين في تلك الحقبة.

ويُعد مدفن عُنيشُو اليوم أحد المحطات المهمة للباحثين والزوار الراغبين في استكشاف العمارة الجنائزية النبطية وفهم ملامح الحياة السياسية والملكية في البترا. كما يشكّل شاهدًا حيًا على المكانة التي كان يحتلها الوزراء في النظام الإداري النبطي، ويبرز تفاصيلَ أثرية ومعمارية تضيف قيمة معرفية مهمة للمشهد الأثري في المدينة الوردية.

كيف تقيم محتوى الصفحة؟