accessibility

المواقع الأثرية

أم البيارة
800 - 700 قبل الميلاد**


تُعدّ أم البيارة من أهم المواقع الأثرية في منطقة البترا، وقد اكتسبت هذه التسمية نسبةً إلى وفرة الآبار المنحوتة في الصخر المنتشرة على سطحها العلوي. وتعود بعض هذه الآبار إلى فترات مختلفة، إلا أنّ عددًا منها يرجع إلى الفترة الأدومية التي ازدهرت بين القرنين السابع والثامن قبل الميلاد، ما يجعل الموقع ذا قيمة تاريخية بارزة لدراسة المجتمعات القديمة في جنوب الأردن.
وتقع أم البيارة على ارتفاع شاهق يطل على مدينة البترا، حيث تتميز بقمتها الواسعة المسطحة التي سهلت إقامة منشآت معمارية متعددة عبر العصور. وقد مكّن هذا الارتفاع الشاهق سكان الموقع القدماء من مراقبة التحركات في الوديان المحيطة والتحكم في الطرق المؤدية إلى المدينة، مما جعلها موقعًا استراتيجيًا ذي أهمية عسكرية ودفاعية. وتشير الدراسات إلى أن الأدوميين استغلوا هذا الموقع المنيع لإقامة تجمعات سكنية صغيرة مبنية من الحجر المحلي المقطوع والمصفوف بعناية دون استخدام كميات كبيرة من الملاط.
كشفت التنقيبات الأثرية في قمة أم البيارة عن بقايا لمساكن تعود إلى الفترة الأدومية، إضافةً إلى عدد من الأدوات الفخارية والمعثورات التي تعكس طبيعة الحياة اليومية للسكان في ذلك الوقت. كما عُثر على أنظمة بسيطة لتجميع المياه تعتمد على قنوات محفورة في الصخر لتوجيه مياه الأمطار نحو آبار التخزين، ما يدلّ على وعي هندسي متقدم لدى سكان المنطقة وقدرتهم على التكيّف مع البيئة الجافة.
ويُعتقد أن القلعة التي وُجدت على القمة كانت جزءًا من منظومة دفاعية أكبر، وظيفتها حماية المنطقة والتحكم في المسارات التجارية التي كانت تمر عبر البترا. كما ارتبطت بعض المكتشفات بأسماء حكّام أدوميين مثل الملك قوس جابر، والذي تشير الأدلة إلى أنه حكم في القرن السابع قبل الميلاد، ما يعزز أهمية الموقع كواحد من المراكز الرئيسة للحضارة الأدومية.
وتُظهر التحليلات الحديثة أن الموقع ربما شهد استيطانًا متقطعًا في فترات لاحقة، الأمر الذي يعكس استمرارية أهميته رغم التغيرات السياسية والحضارية التي مرّت بها المنطقة. واليوم تُعد أم البيارة مقصدًا للباحثين والزوار المهتمين بتاريخ البترا القديم، إذ توفر إطلالات طبيعية خلابة على المدينة الوردية ومعالمها الكبرى، إضافة إلى كونها مثالًا واضحًا على براعة الإنسان القديم في اختيار مواقع السكن والتحصّن.
إن أم البيارة، بما تحمله من طبقات تاريخية غنية، تشكل نافذة مهمة لفهم حياة الشعوب القديمة التي استوطنت المنطقة، ودليلًا على قدرتهم في استغلال الجغرافيا الوعرة لبناء حضارات ما زالت آثارها ماثلة حتى اليوم.
 

كيف تقيم محتوى الصفحة؟