محاجر عنجر
(50 قبل الميلاد – 100 ميلادي)
تُعد محاجر عنجر من أبرز المحاجر التي استخدمها الأنباط لاستخراج الحجر الرملي لبناء منشآتهم المعمارية في مدينة البترا الأثرية. فعلى الرغم من أن الحجر الرملي يُعد من الصخور اللينة نسبياً مقارنةً بالصخور الصلبة الأخرى، فإنه يمتاز بجودة عالية ومرونة مناسبة للنحت، مما جعله الخيار الأنسب للأنباط عند تشييد الواجهات المعمارية المهيبة والمعابد والمقابر الملكية.

وتدل الشواهد الأثرية المتبقية في هذه المحاجر على مستوى عالٍ من التنظيم والدقة في عمليات استخراج الحجر. فقد كانت المقاطع الصخرية تُحدد بعناية على جوانب الوادي، بحيث تُختار المادة الأكثر صلابة والمتجانسة لتُستخدم لاحقاً في أعمال البناء. وتشير آثار الأدوات والضربات على واجهات المحجر إلى تقنيات دقيقة اتبعها العمال، حيث استخدموا أدوات معدنية محكمة لتحديد خطوط القطع، ثم قاموا بعمليات فصل تدريجية للكتل الصخرية باستخدام الإسافين الخشبية والمطرقة، إضافةً إلى الاعتماد على مبدأ التمدد عند ترطيب الأخشاب بالماء.
وتكشف بقايا الأدوات ومناطق الاستخراج عن معرفة واسعة لدى الأنباط بخصائص الصخر الرملي وكيفية التعامل معه دون التسبب في تشققه أو تفتته. كما تُظهر الخطوط المتوازية المحفورة على بعض الجدران الداخلية للمحاجر أساليب منهجية في تخطيط عملية القطع، تبدأ برسم الخطوط الأساسية ثم الانتقال إلى تنفيذ الحفر العميقة، تليها عملية فصل الكتلة بأكملها ونقلها إلى موقع البناء.
وتدل هذه التقنيات المتقدمة على أن الأنباط لم يعتمدوا فقط على القوة الجسدية للعمّال، بل استخدموا أيضاً المعرفة الهندسية في تحديد اتجاهات القطع ودرجات الميل، وذلك لضمان سلامة الكتلة الصخرية خلال عملية الفصل والنقل. ويشير الخبراء إلى وجود دلائل على استخدام الروافع الخشبية والحبال السميكة لتسهيل عملية إنزال الكتل من الطبقات العليا للمحجر، ما يدل على تطور في أدوات البناء والتشييد لدى الأنباط.
كما تُظهر الدراسات الحديثة أن بعض علامات القطع الموجودة في محاجر عنجر تُشابه إلى حد كبير العلامات التي اكتُشفت في مواقع أثرية مصرية، مما يدعم فرضية وجود تبادل للخبرات التقنية بين الحضارات القديمة. ويعتقد الباحثون أن العمّال النبطيين ربما استفادوا من تقنيات كانت مستخدمة في مصر القديمة، خاصة فيما يتعلق بقطع الحجر الرملي وتشكيله دون أن يتعرض للتشقق أو الانقسام غير المرغوب فيه.
وتُعد محاجر عنجر اليوم أحد المواقع المهمة لفهم تطور العمارة النبطية وأساليب البناء المستخدمة في البترا. فهي لا تسهم فقط في تفسير مصادر مواد البناء، بل تقدم أيضاً دليلاً حياً على مهارة الأنباط واعتمادهم على تقنيات متطورة مكنتهم من إنشاء مدينة تُعد من أعظم مدن العالم القديم وأكثرها دقة وإبهاراً من الناحية الهندسية والفنية.