شارع الأعمدة
100 – 200 ميلادي
يُعد شارع الأعمدة في البترا أحد أهم المكونات العمرانية في قلب المدينة النبطية، وهو الشارع الرئيس الذي يشكّل محور الحركة التجارية والدينية والاجتماعية خلال الفترة النبطية المتأخرة والعصر الروماني اللاحق. تقع المنطقة التي تمتد عليها بقايا هذا الشارع اليوم في مركز البترا، ويُعتقد أن بناءه وتطويره بشكلٍ متكامل تمّ ما بين القرنين الأول والثاني الميلاديين، في وقت بلغ فيه نفوذ الأنباط أوجه قبل اندماج المملكة النبطية ضمن الإمبراطورية الرومانية عام 106م.

كان شارع الأعمدة يشكّل الصلة المركزية بين المنشآت الحيوية في المدينة، حيث يبدأ من الجسر المؤدي إلى المدخل الرئيس للبترا، ويمتد غربًا باتجاه معبد الأسود المجنّحة، ثم يواصل وصولًا إلى المنطقة المقدسة التي تضم المعبد الكبير ومجمع البيع ومعبد قصر البنت. وتشير البقايا المعمارية إلى أنّ الشارع كان في الأصل مُرصّفًا ببلاطات حجرية ضخمة ومصممًا وفق تخطيط دقيق يسمح بانسياب الحركة وتنظيم الأسواق والأنشطة اليومية للسكان والزوار.
وقد أقيم على جانبي الشارع صفّ من الأعمدة الكورنثية التي بلغ عددها نحو 120 عمودًا، معظمها كان يعلوه تيجان منحوتة بعناية وزخارف متقنة، ممّا يعكس براعة النحاتين الأنباط وتأثرهم بالعناصر الكلاسيكية اليونانية والرومانية. وكانت هذه الأعمدة تحمل أروقة مخصصة لتوفير الظل والحماية للمارة، ولإيواء المحال التجارية التي انتشرت على جانبي الشارع، والتي شكّل معظمها جزءًا من السوق النبطي الرئيس.
وتدل المكتشفات الأثرية في محيط الشارع على وجود مبانٍ خدمية وتجارية، من بينها ورش صغيرة ومحال لبيع السلع المحلية كاللبان والبهارات والأقمشة، إضافة إلى تجارة السلع الفاخرة القادمة عبر طرق القوافل، والتي لعبت البترا دورًا محوريًا في إدارتها وربطها بين الجزيرة العربية والبحر الأبيض المتوسط. كما كشفت الحفريات عن قناة مائية تجري بمحاذاة الشارع، كانت تُستخدم لتصريف الأمطار وتزويد الأروقة والمحال بالمياه عند الحاجة، وهي دليل إضافي على التقدم الهندسي لدى الأنباط ونظامهم المائي المتقن.
ومع دخول البترا تحت الحكم الروماني، جرى تعديل بعض أجزاء الشارع وتوسيعه بما يتوافق مع النمط العمراني الروماني المعروف بـ “الديكومانوس". ويتضح ذلك في أسلوب الرصف الحجري واستخدام الأقواس الداعمة ونمط الأعمدة الذي يعكس مزيجًا بين الطابعين النبطي والروماني، مما يجعل الشارع نموذجًا فريدًا للتطور العمراني في فترة الانتقال بين الحضارتين.
ورغم أن الزلازل التي ضربت المنطقة—خصوصًا زلزال عام 363م—قد أدت إلى انهيار عدد كبير من الأعمدة والمباني المحيطة بالشارع، فإن أجزاءً واسعة منه ما تزال قائمة حتى اليوم، وتشكل أحد أكثر عناصر المدينة وضوحًا وثراءً بصريًا. ويمنح الشارع زواره فرصة لفهم كيفية تنظيم الحياة اليومية في البترا القديمة، ويُعد من أهم المسارات السياحية التي تعكس بجلاء روعة التخطيط النبطي وذكاء استخدام الفضاء العمراني في خدمة المجتمع والطقوس الدينية والأنشطة الاقتصادية.
وبفضل ما يحمله شارع الأعمدة من قيمة تاريخية ومعمارية، فإنه يُعدّ شاهدًا حيًا على لمسات الأنباط ورؤيتهم الحضرية التي جمعت بين الجمال الوظيفي والدقة الهندسية، وهو اليوم من أبرز المعالم التي تسهم في إبراز أهمية البترا كموقع تراث عالمي ووجهة أثرية فريدة.