شارع الواجهات
50 قبل الميلاد - 50 ميلادي
أُطلق على هذا الجزء من السَّبيل الخارجي اسم "شارع الواجهات"، ويعود سبب التسمية إلى انتشار العديد من المقابر المنحوتة بعناية على واجهات الصخور الممتدة على طول سفح الجبل. تتخذ هذه الواجهات أشكالًا معمارية متناسقة، تختلف في حجمها وزخرفتها ودرجة الإتقان في نحتها، الأمر الذي يمنح الشارع منظرًا فريدًا يمزج بين الجلال والهيبة. وما يلفت النظر أن معظم هذه الواجهات تتقارب في نمطها العام، إذ تظهر فيها خطوط معمارية مستقيمة ومتناسقة، بينما تتنوع في تفاصيلها الفنية الدقيقة التي تميز كل واجهة عن الأخرى.

تتوزع الواجهات على جانبي الشارع في تتابع بصري جذاب، فتبدو كأنها صف من الأبنية الحجرية المصطفة، رغم أنها منحوتة بالكامل داخل الجبال. ويُعتقد أن هذا الأسلوب الفني كان يعكس المكانة الاجتماعية لأصحاب هذه المقابر، إذ كان النحت في الصخور يحتاج إلى خبرة هندسية عالية وجهود كبيرة، كما يتطلب الاستعانة بنحاتين مهرة يمتلكون القدرة على رسم وتنفيذ الأنماط المعمارية والمحاريب والزخارف بدقة لافتة.
وتشير الدراسات الأثرية إلى أن عملية نحت الواجهات امتدت على فترات زمنية متعاقبة، خاصة في القرنين السادس والسابع قبل الميلاد. وقد وجد الباحثون أن بعض هذه المقابر تعود إلى فترة مبكرة جدًّا، إذ كشفت الحفريات عن آثار مقابر نبطية يُرجَّح أنها بُنيت في عام 124 قبل الميلاد في عهد أحد الملوك النبطيين، مما يدل على عمق الاستيطان البشري في المنطقة وازدهار العمارة الصخرية فيها.
وتُعد واجهات هذا الشارع مثالًا بارزًا على الإبداع المعماري النبطي، إذ تمثل مزيجًا واضحًا بين التأثيرات الآشورية والهلنستية والرومانية، إضافة إلى اللمسات المحلية الخاصة التي ميزت العمارة النبطية عن غيرها. ويظهر ذلك جليًا في أعمدة الواجهات، وأفاريزها المنحوتة، وتوازن كتلتها البصرية، إضافة إلى الرموز المستخدمة في الزخارف التي تعكس معتقداتهم وتصوراتهم عن الحياة والموت.
ولا يقتصر جمال شارع الواجهات على قيمته التاريخية فحسب، بل يشكل أيضًا شاهدًا على التفاعل بين الإنسان والبيئة الطبيعية، إذ استطاع الأنباط تحويل الجبال الصخرية الوعرة إلى لوحات معمارية نابضة بالحياة تروي جزءًا مهمًا من تاريخ المنطقة وحضارتها.