accessibility

المواقع الأثرية

القبر غير المكتمل - 50 قبل الميلاد – 50 ميلادي

يُعَدّ هذا النصب المنحوت في الواجهة الشرقية لجبل الحبيس مثالًا مهمًا على المدافن النبطية التي لم يكتمل العمل فيها. تشير الدراسات الأثرية إلى أن الحرفيين بدأوا بنحت هذا القبر وفق النمط المعروف للقبور الملكية أو الأسرية في البترا، إلا أن العمل توقّف عند مرحلة مبكرة، ولم تُستكمل واجهته أو تفاصيله المعمارية. ويُظهر هذا التوقّف غير المعتاد الكثير من المعلومات القيّمة حول أساليب البناء والنحت النبطية، وكذلك الظروف التي قد تدفع الحرفيين لإيقاف العمل فجأة.

Thumbnail_Custom

كان من المتوقّع، استنادًا إلى بقايا الواجهة، أن يتضمن القبر عناصر معمارية نبطية شهيرة مثل الدرجات الجانبية، والإطارات الزخرفية، والكورنيش العلوي، إضافةً إلى تجويف داخلي مخصص لدفن المتوفّى. إلا أنّ الواجهة المتبقية تكشف أن العملية لم تتجاوز إلا الخطوات الأولى المتمثلة في تحديد الإطار العام للقبر ونحت الأجزاء الأولية من السطح الصخري. ويُرجّح الباحثون أن سبب التوقّف قد يعود إلى رداءة جودة الصخر في تلك المنطقة، أو ظهور تشققات قد تُهدّد سلامة البناء، وهو ما يجعل الموقع غير مناسب لإكمال النحت.

وفي سياق آخر، تشير فرضيات علمية إلى أن سبب عدم اكتمال القبر ربما يعود إلى عوامل اجتماعية أو اقتصادية، مثل وفاة الشخص الذي أوصى بنحته قبل الانتهاء منه، أو عدم قدرة الأسرة على متابعة أعمال النحت، أو حتى تغيّر أولويات المجتمع النبطي خلال تلك الفترة. كما يُحتمل أن الحرفيين اكتشفوا عند تقدمهم في العمل طبقات صخرية رخوة أو مائلة، إذ تُظهر صخور مدينة البترا تباينًا واضحًا في جودة الحجر الرملي الذي استغله الأنباط في نحت المدافن والواجهات المعمارية.

تكشف دراسة القبر غير المكتمل عن معلومات مهمة حول أدوات الأنباط وأساليبهم في نحت الواجهات. إذ تُظهر آثار الإزميل وخطوط الحفر كيف كان العمل يبدأ من الأعلى إلى الأسفل وفق نظام هندسي دقيق، مما يدل على احترافية عالية في التحكم بالشكل النهائي للواجهة. كما يساعد هذا النوع من المدافن غير المكتملة الباحثين على فهم التسلسل الهندسي لعمليات النحت، والمرحلة التي تُضاف فيها التفاصيل الزخرفية، والوقت الذي كان يستغرقه كل جزء من العمل.

إن وجود مدفن كهذا في البترا لا يقدّم فقط مثالًا على مشروع معماري لم يكتمل، بل يشكّل مصدرًا علميًا مهمًا يساهم في إعادة بناء صورة أوضح عن الحياة اليومية للنبطيين، وعن تنظيم العمل بين الحرفيين، بالإضافة إلى الظروف البيئية والجيولوجية التي أثّرت في اختيار مواقع المدافن. ويظل هذا القبر شاهدًا على التفاعل بين الإنسان والصخر، وعلى مهارة الأنباط في نحت مدينتهم الخالدة، سواء اكتملت مشاريعهم أم بقيت آثارها غير منتهية كما تبدو اليوم.

كيف تقيم محتوى الصفحة؟